ابن قيم الجوزية

197

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

بممتنع في مقدوره بل هو ممكن وقد علق به الرؤية ولو كانت محالا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته ولو كانت الرؤية محالا لكان ذلك نظير أن يقول إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام فالأمران عندكم سواء ( الوجه السادس ) قوله سبحانه وتعالى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته تبارك وتعالى فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه ؟ فأعلم سبحانه وتعالى موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف ( الوجه السابع ) أن ربه سبحانه وتعالى قد كلمه منه إليه وخاطبه وناجاه وناداه ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه معه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين فأنكروا أن يكلم أحدا أو يراه أحد ولهذا سأله موسى النظر إليه لما أسمعه كلامه وعلم نبي اللّه جواز رؤيته من وقوع خطابه وتكليمه فلم يخبره باستحالة ذلك عليه ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله كما لم يثبت الجبل لتجليه . وأما قوله تعالى لَنْ تَرانِي فإنما يدل على النفي في المستقبل ولا يدل على دوام النفي ولو قيدت بالتأبيد فكيف إذا أطلقت قال تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً مع قوله تعالى وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ . ( فصل ) الدليل الثاني قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وقوله تعالى تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وقوله تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ وقوله تعالى قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ وأجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية ولا ينتقض هذا بقوله تعالى فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ فقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة بل والكفار أيضا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة وسيمر بك عن قريب إن شاء اللّه تعالى ( وفي هذه المسألة ) ثلاثة أقوال لأهل السنة ( أحدها ) أن لا يراه إلا المؤمنون ( والثاني ) يراه أميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك